ابن حمدون
239
التذكرة الحمدونية
العلم المعرّف لغائلة تلك الشهوة . ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرّة ، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا ، وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرّة . وإذا [ 1 ] كان علم الطبيب أتمّ كان خوفه أشدّ ، فيكون الخوف جندا [ 2 ] للعقل وعدّة في قمع الشهوة وكسرها . ولذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي لقوة علمه بضرر المعاصي . فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل ، وإن كان من جهة العلم فقد سمّينا هذا الضرب من العلم عقلا فإنه يقوّي غريزة العقل فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه . وقد يكون لمجرد التفاوت في غريزة العقل فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشدّ . وأما القسم الثالث وهو علم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر ، فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وبسرعة الإدراك ، ويكون سببه إما تفاوت في الغريزة ، وإما تفاوت في الممارسة . أما الأول وهو الأصل - أعني الغريزة - فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه ، ومبادي إشراقه عند سنّ التمييز ، ثم لا يزال ينمي ويزداد نموّا خفيّ التدرج [ 3 ] إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة ، ومثاله نور الصبح ، فإنّ أوائله تخفى خفاء يكاد يشقّ إدراكها ، ثم يتدرّج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس . وتفاوت نور البصيرة كتفاوت [ 4 ] نور البصر ، فالفرق مدرك بين الأعمش وبين الحادّ البصر ، بل سنّة اللَّه جارية في جميع خلقه بالتدريج في الايجاد حتى إنّ غريزة الشهوة لا تركن في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة ، بل تظهر شيئا شيئا على التدريج ، وكذا جميع القوى والصفات . فمن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة